محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

سنين عندكم ؟ " قالوا : دون العشر ، قال : " اذهب فزايدهم وازدد سنتين " قال : فما مضت السنتان ، حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المسلمون بذلك ، فأنزل الله : ألم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى قوله وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، ومطر عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : مضت الروم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قال : أدنى الأرض : الشام وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ قال : كانت فارس قد غلبت الروم ، ثم أديل الروم على فارس ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الروم ستغلب فارسا " ، فقال المشركون : هذا مما يتخرص محمد ، فقال أبو بكر : تناحبونني ؟ والمناحبة : المجاعلة ، قالوا : نعم ، فناحبهم أبو بكر ، فجعل السنين أربعا أو خمسا ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول صلى الله عليه وسلم : " إن البضع فيما بين الثلاثة إلى التسع ، فارجع إلى القوم ، فزد في المناحبة " ، فرجع إليهم . قالوا : فناحبهم فزاد . قال : فغلبت الروم فارسا ، فذلك قول الله : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ يوم أديلت الروم على فارس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا معاوية بن عمرو ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ألم غُلِبَتِ الرُّومُ قال : غلبت وغلبت . فأما الذين قرءوا ذلك : " غلبت الروم " بفتح الغين ، فإنهم قالوا : نزلت هذه الآية خبرا من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم . ذكر من قال ذلك : حدثنا نصر بن علي ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن سليمان ، يعني الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لما كان يوم ظهر الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، فنزلت ألم غُلِبَتِ الرُّومُ على فارس . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا يحيى بن حماد ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن سليمان ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لما كان يوم بدر ، غلبت الروم على فارس ، ففرح المسلمون بذلك ، فأنزل الله ألم غُلِبَتِ الرُّومُ إلى آخر الآية . يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لما كان يوم بدر ، ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، لأنهم أهل كتاب ، فأنزل الله ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قال : كانوا قد غلبوا قبل ذلك ، ثم قرأ حتى بلغ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ وقوله : فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قد ذكرت قول بعضهم فيما تقدم قبل ، وأذكر قول من لم يذكر قوله . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله فِي أَدْنَى الْأَرْضِ يقول : في طرف الشام . ومعنى قوله أدنى : أقرب ، وهو أفعل من الدنو والقرب . وإنما معناه : في أدنى الأرض من فارس ، فترك ذكر فارس استغناء بدلالة ما ظهر من قوله فِي أَدْنَى الْأَرْضِ عليه منه . وقوله : وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ يقول : والروم من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبون فارس . وقوله : مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ مصدر من قول القائل : غلبته غلبة ، فحذفت الهاء من الغلبة . وقيل : من بعد غلبهم ، ولم يقل : من بعد غلبتهم للإضافة ، كما حذفت من قوله : وَإِقامِ الصَّلاةِ للإضافة . وإنما الكلام : وإقامة الصلاة . وأما قوله : سَيَغْلِبُونَ فإن القراء أجمعين على فتح الياء فيها ، والواجب على قراءة من قرأ : " ألم غلبت الروم " بفتح الغين ، أن يقرأ قوله : " سيغلبون " بضم الياء ، فيكون معناه : وهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبهم المسلمون ، حتى يصح معنى الكلام ، وإلا لم يكن للكلام كبير معنى إن فتحت الياء ، لأن الخبر عما قد كان يصير إلى الخبر عن أنه سيكون ، وذلك إفساد أحد الخبرين بالآخر . وقوله : فِي بِضْعِ سِنِينَ قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في معنى البضع فيما مضى ،